الحلبي
438
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
أو لم يكفهم من اللّه ذكر * فيه للناس رحمة وشفاء أعجز الإنس آية منه والجن * فهلا يأتي به البلغاء كل يوم يهدي إلى سامعيه * معجزات من لفظه القراء تتحلى به المسامع والأف * واه فهو الحلي والحلواء رقّ لفظا وراق معنى فجاءت * في حلاها وحليها الخنساء وأرتنا فيه غوامض فضل * رقة من زلاله وصفاء إنما تجتلي الوجوه إذا ما * جليت عن مرآتها الأصداء سور منه أشبهت صورا من * ا ومثل النظائر النظراء والأقاويل عندهم كالتماث * يل فلا يوهمنك الخطباء كم أبانت آياته عن علوم * من حروف أبان عنها الهجاء فهي كالحب والنوى أعجب الزرا * ع منها سنابل وزكاء فأطالوا فيه التردد والري * ب فقالوا سحر وقالوا افتراء وإذا البينات لم تغن شيئا * فالتماس الهدى بهن عناء وإذا ضلت العقول على عل * م فما ذا تقوله الفصحاء أي أو لم يكفهم عما سألوه عنادا ذكر واصل إليهم ، حالة كونه من اللّه تعالى رحمة وشفاء للناس والجن والملائكة ، أعجز الإنس والجن آية منه ، فهلا يأتي بتلك الآية أهل البلاغة ، كل وقت يهدي قراؤه إلى سامعيه معجزات من لفظه ، ولذلك تتحلى بسماعه المسامع ، من التحلية التي هي لبس الحلي ، وتتحلى بألفاظه الأفواه من الحلواء فهو الحلي ، والحلواء حسن من جهة اللفظ ، وتصفى من شوائب النقص من جهة المعنى ، فأرتنا رقة من زلاله ، وصفاء من ذلك الزلال ، خبايا فضل فيه وهي العلوم المستنبطة منه ، وإنما تظهر الوجوه ظهورا واضحا لإخفاء معه بوجه إذا قوبلت بمرءاه ، وقت جلاء الأصداء عن تلك المرآة سور منه أشبهت صورا منا ، من حيث اشتمال كل صورة منا على عقل وفهم ، وخلق لا يشاركه فيه غيره ، والأقاويل الصادرة من الكفار في القرآن كالصور التي يصورها المصورون فإنه لا وجود لها في الحقيقة ؛ فما قالوه في القرآن باطل قطعي البطلان ، فاحذر الخطباء أن توقع في وهمك أن ما تأتي به يقارب القرآن ، كم أوضحت آياته علوما حالة كونها متولدة من حروف قليلة كشف عنها التهجي ، كالحب الذي يلقيه الزارع ، والنوى الذي يلقيه الغارس ، أعجب الزراع والغراس منها : أي من تلك الحبوب والنوى سنابل وثمار